
ما جرى في بانجول لا يمكن قراءته كحادث عابر داخل سياق حقوقي روتيني، بل هو لحظة اختبار حقيقية لمدى صلابة الفاصل بين القضاء الوطني وبين التوظيف الحقوقي الدولي حين يُنتزع ملف قضائي من بيئته الطبيعية ويُعاد تشكيله داخل خطاب حقوقي متسارع ثم يُدفع به إلى فضاء إقليمي لا يتعامل مع التفاصيل بقدر ما يتعامل مع الانطباع العام والتوصيف الكلي.
الأصل في هذه القضية أنها لم تكن يومًا ملفًا مفتوحًا للتأويل، بل ملف قضائي محدد المعالم تحكمه وقائع بعينها وإجراءات وطنية جارية وسلطة قضائية هي وحدها المخوّلة قانونًا بالحسم غير أن ما حدث هو انزلاق تدريجي في اللغة قبل أن يكون انزلاقًا في الموقف حيث تم التعامل مع الملف وكأنه مادة حقوقية مكتملة قابلة لإعادة الصياغة والتدويل دون المرور عبر التحصين القانوني الضروري الذي يميز بين الخبر القضائي والتقييم الحقوقي.
الدولة من جهتها لم تُغلق باب الحقوق في أي مرحلة ولم تتعامل مع المؤسسات الوطنية بمنطق التقييد بل وفّرت للجنة الوطنية لحقوق الإنسان مساحة اشتغال واسعة وإمكانيات مؤسسية معتبرة يفترض نظريًا أنها كافية لتأدية دورها كجسر بين الداخل والخارج لكن الإشكال لم يكن في الإمكانيات بل في كيفية فهم الدور ذاته: هل هو دور ضبط للغة القانونية وحماية للمسار القضائي؟ أم هو مجرد نقل للملفات إلى الخارج بصيغ مفتوحة قابلة لإعادة التفسير؟
هنا تحديدًا وقع الخلل حين فُقد التمييز بين الملف القضائي باعتباره مسارًا تحكمه الأدلة والإجراءات وبين الملف الحقوقي باعتباره مجالًا للتقييم العام بدأت الحدود تتآكل وحين تُرفع قضية قضائية إلى فضاء إقليمي دون إحكام لغتها القانونية تصبح عرضة لإعادة إنتاجها وفق منطق آخر منطق لا يعترف بدقة الوقائع بقدر ما يعيد تركيبها داخل سردية شاملة.
وفي بانجول لم يتأخر هذا المنطق في الظهور فالخطاب الذي تم تبنيه لم يكتفِ بوصف حالات محددة بل انتقل إلى بناء صورة كلية تتحدث عن أنماط وانتهاكات وتوصيفات بنيوية مستخدمًا مفردات ذات حمولة قانونية ثقيلة لا تُستعمل عادة إلا بعد استنفاد كامل آليات التحقق وهكذا تحولت الوقائع من ملفات قضائية معروضة أمام القضاء الوطني إلى “سردية حقوقية مكتملة” تُقدَّم كحقيقة نهائية لا كموضوع قيد النظر القضائي.
الأكثر حساسية في هذا التحول ليس فقط ما قيل بل كيف قيل لأن الخطورة لا تكمن في وجود خطاب حقوقي بل في لحظة فقدان التوازن بين اللغة القانونية واللغة التقريرية بين ما هو قابل للإثبات القضائي وما هو قابل للتعميم الحقوقي وعندما يُكسر هذا التوازن يصبح الملف نفسه مادة قابلة لإعادة التشكيل في كل مستوى جديد ينتقل إليه.
وإذا كان الخارج قد بالغ في التوصيف فإن ذلك لا يمكن فصله عن الداخل الذي لم يُحكم ضبط مدخلات الملف كما ينبغي فالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في أي دولة ليست مجرد ناقل للانشغالات بل هي عنصر ضبط دقيق للسردية مسؤول عن حماية الخط الفاصل بين القضاء والتقييم بين الوقائع والتأويل وعندما يختل هذا الدور يصبح الخارج أكثر قدرة على إعادة كتابة الداخل بلغة لا تشبهه.
إن بيان اللجنة الإفريقية في هذا السياق لم يكن مجرد قراءة حقوقية بل جاء محمّلًا بتوسيع واضح في التوصيف انتقل من الحالات الفردية إلى البناء العام، ومن الوقائع المحدودة إلى الاستنتاجات الشاملة وهو ما يطرح إشكالًا منهجيًا في التناسب بين المعطى والاستنتاج وفي احترام حدود التقييم الحقوقي حين يتعلق الأمر بملف لا يزال داخل المسار القضائي الوطني لكن جوهر القضية أبعد من تبادل المسؤوليات إنها تتعلق بمسألة أدق: من يملك حق تعريف الملف؟ القضاء الوطني الذي يتعامل مع الأدلة والإجراءات؟ أم الخطاب الحقوقي الذي يميل إلى التعميم والتأطير الواسع؟ أم المنابر الدولية التي تعيد تركيب الصورة وفق أدواتها الخاصة؟
ما حدث في بانجول يكشف أن غياب الإجابة المحكمة عن هذا السؤال يؤدي حتمًا إلى نتيجة واحدة: انتقال الملف من دائرة القانون إلى دائرة السرديات، ومن مجال الإثبات إلى مجال التأويل، ومن لغة القضاء إلى لغة التوصيف السياسي-الحقوقي.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بردود فعل ولا بمواقف ظرفية، بل بضرورة استعادة التوازن الأصلي بين المؤسسات: قضاء يحكم، خطاب حقوقي يراقب دون أن يعيد صياغة الوقائع، وسردية وطنية لا تُترك لتُكتب خارج سياقها لأن أي ارتباك في هذه المعادلة لا يبقى محليًا بل يتضخم فور انتقاله إلى الفضاء الدولي حيث لا تُقرأ التفاصيل بل تُقرأ النتائج النهائية فقط.

.png)

